الذكاء الاصطناعي أعاد تشكيل استراتيجيات الهجمات الإلكترونية
ڤوكسل في حوار مع اللواء فؤاد فيود
حوار:
دعاء راتب
تصوير
عبد الرحمن جمال
لم
تعد الحروب الإلكترونية مجرد سيناريوهات مستقبلية، بل أصبحت واقعًا ملموسًا يعيد
تشكيل مفاهيم الأمن والدفاع على المستويات الإقليمية والدولية، كما أن تطور
التكنولوجيا والاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقمية جعل من الفضاء السيبراني ساحة
جديدة للصراعات، حيث لم يعد التفوق العسكري يُقاس فقط بالأسلحة التقليدية، بل
بالقدرة على حماية المعلومات وشن هجمات إلكترونية مؤثرة، وفي ظل هذا التحول، يصبح
من الضروري للدول تعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية في المجال السيبراني، لتظل
قادرة على مواجهة التهديدات المتغيرة في عالم يشهد سباقًا محمومًا نحو التفوق
التكنولوجي.
وفي
هذا الإطار، أجرت "ڤوكسل" لقاءً خاصاً مع اللواء فؤاد فيود، لواء أركان حرب، ومستشار مدير إدارة
الشئون المعنوية، الذي أضاء لنا أبرز معالم الحروب الإلكترونية وكيفية تأثيرها على
موازين القوى الإقليمية والدولية،
مع إجاباته الدقيقة على أسئلة متنوعة تكشف خبايا هذا التحول، وإلى نص الحوار:
في البداية، ما الفرق الأساسي بين الحروب
التقليدية والحروب الإلكترونية؟
الحروب التقليدية تعتمد في المقام الأول على المواجهة العسكرية المباشرة باستخدام القوات والأسلحة الميدانية مثل الطائرات، الدبابات، والسفن الحربية، لكن مع التطور التكنولوجي، ظهرت الحروب الإلكترونية التي تستند إلى التحكم في المعلومات والقدرة على الوصول إليها، بينما الحروب الإلكترونية تعتمد على وسائل مثل التصنت، الاختراقات السيبرانية، والإعاقة الإلكترونية لمعرفة نوايا الطرف الآخر، وإذا تمكن العدو من معرفة ما تخطط له، يمكنه الاستعداد لإفشال خططك، وإذا لم يستطع ذلك، فهو لن يحقق أي انتصار ملموس.
هل يمكن اعتبار الحروب الإلكترونية بديلاً عن الحروب التقليدية؟
الحروب الإلكترونية هي عنصر مكمّل وليس بديلاً كاملاً، فالواقع أن كلا النوعين من الحروب يكملان بعضهما البعض في ساحات القتال الحديثة، دعنا نأخذ مثالاً: أثناء التخطيط لبعض العمليات، مثل المواجهة التي جرت مع الأسطول السادس الأمريكي أثناء ثورة يناير في 2011، كان الهدف تمزيق وحدة مصر من الشمال والجنوب لقد حركت الولايات المتحدة أساطيلها في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر لفرض حصار محكم، لكن المفاجأة كانت ظهور سرب من الغواصات المصرية في البحر الأبيض المتوسط وسرب طائرات "ميج 21" في البحر الأحمر لم تكن تلك مجرد عمليات تقليدية؛ بل كانت مدعومة بإعاقة إلكترونية منعت العدو من تحديد مسارات التحرك للطائرات والغواصات هذا التنسيق الإلكتروني هو الذي أجبرهم على التراجع.
كيف تغيّر الحروب الإلكترونية موازين القوى
العالمية؟
الحروب الإلكترونية غيّرت تماماً الطريقة التي
يتم بها إدارة الصراعات إذا نجح الطرف المهاجم في الوصول إلى نوايا خصمه باستخدام
تقنيات مثل التصنت أو التشويش، فبإمكانه الاستعداد للخطط المضادة بشكل أفضل وإحراز
انتصار سريع ودقيق دون الحاجة إلى الاشتباك المباشر، أما إذا فشل في معرفة هذه
النوايا، فقد يجد نفسه معتمداً على التوقعات والاحتمالات فقط، وهو ما يزيد من خطر
الوقوع في الفشل.
ما هي أبرز التهديدات التي تشكلها الإشاعات
الرقمية في سياق الحروب الإلكترونية؟
الإشاعات هي من أكثر الأسلحة خطورة
في الحروب الإلكترونية الحديثة، ففي الوقت الحالي، يمكن أن تنتشر إشاعة خاطئة
بسرعة عبر وسائل الإعلام الإلكترونية والشبكات الاجتماعية، وتترك آثاراً مدمرة،
هذه الإشاعات تهدف إلى زعزعة استقرار المجتمعات وإثارة الشكوك حول الأنظمة الحاكمة،
ما يجعل الإشاعات الرقمية خطيرة هو استغلال وسائل التواصل والشاشات الإلكترونية
لتعزيزها، مما يخلق بيئة قادرة على تهديد كيان دول بأكملها.
كيف تستطيع الدول حماية بنيتها التحتية من
الهجمات السيبرانية؟
حماية البنية التحتية تتطلب استخدام
استراتيجيات دفاع متقدمة مثلاً، خلال حرب أكتوبر 1973، استخدم الجيش المصري اللغة
النوبية في الاتصالات العسكرية، ما جعل العدو عاجزاً تماماً عن فك شفرتها، هذه الأساليب تُعرف بالتشفير غير
المألوف، حيث يكون من الصعب فك الشفرة حتى لو تم اعتراض الاتصالات، بالإضافة إلى
ذلك، تُعتمد حالياً تقنيات تشفير البيانات المعقدة التي تجعل من الصعب على العدو
استخدام المعلومات حتى لو تمكن من الوصول إليها.
ما دور الذكاء الاصطناعي في تحسين استراتيجيات
الحروب الإلكترونية؟
الذكاء الاصطناعي هو تطور جوهري في مجال الحروب
الإلكترونية فهو يساعد على ابتكار وسائل تشفير جديدة، وتطوير أنظمة دفاعية قادرة
على التنبؤ بالهجمات قبل حدوثها عندما يتمكن العدو من فك شفرة معينة، ويعمل الذكاء
الاصطناعي على تطوير شفرة جديدة بسرعة كما يساعد في مراقبة الشبكات، اكتشاف
الثغرات، وتقديم حلول استباقية لمكافحة أي محاولة اختراق.
ما مدى تأثير الهجمات الإلكترونية
على الاقتصاد الوطني للدول؟
التأثير كبير جداً مثل تعطيل شبكة أو منشأة
صناعية واحدة يمكن أن يؤدي إلى شلل كامل في القطاع الاقتصادي إذا تعطلت مصانع أو
شبكات إمدادات حيوية، ويتوقف الإنتاج ويزداد الغضب الشعبي نتيجة انعدام الموارد أو
عدم توفير الخدمات الأساسية مثل هذه السيناريوهات قد تؤدي إلى سقوط أنظمة حكم بسبب
الفوضى التي تنشأ.
ما أهمية الإنذار المبكر في الحروب
الإلكترونية؟
الإنذار المبكر هو أحد الأعمدة الأساسية للتفوق
في الحروب الإلكترونية، من خلاله يمكن التقاط إشارات تدل على نوايا العدو وتحركاته
المستقبلية، هذا يتيح للدولة الاستعداد مسبقاً لتجنب الهجوم أو تقليل خسائره على
الأقل.
كيف يتم تدريب الكوادر العسكرية على تقنيات الحروب الإلكترونية؟
التدريب يتم من خلال معاهد ومدارس متخصصة
تُنشئها القوات المسلحة، وهي تركز على تعريف الضباط والمهندسين بالتقنيات
الإلكترونية المستخدمة، ويتم إعداد هؤلاء المتخصصين لمواجهة
جميع أنواع التهديدات، سواء كانت إلكترونية أو سيبرانية في مصر، وتوجد إدارة خاصة
تُسمى "إدارة الحرب الإلكترونية"، حيث يعمل خبراء عسكريون ومدنيون بشكل
منسق لوضع خطط مضادة للهجمات والتعامل مع الأجهزة التقنية الحديثة.
كيف تُحدد التحالفات الدولية مسار الحروب
الإلكترونية؟
التحالفات الدولية تلعب دوراً بارزاً في تحديد إستراتيجيات المواجهة الإلكترونية دول مثل الولايات المتحدة وإنجلترا تُشكل تحالفات إلكترونية قوية، بينما تصطف دول كروسيا والصين في جهة أخرى الدولة التي تجد نفسها مهددة من قِبل هذه التحالفات، وتسعى للتعاون مع قوى أخرى موازية لتحقيق التوازن ومواجهة التحديات بشكل أكثر تنظيماً.
ما هي الأدوات التقنية التي تُستخدم لاكتشاف
الهجمات الإلكترونية قبل وقوعها؟
من الأدوات الأساسية أجهزة التصنت والتتبع التي
تُوضع في أماكن استراتيجية مثلاً، خلال النزاعات، وُضعت محطات إلكترونية على قمم
جبال سيناء العالية لرصد إشارات من خليج السويس، البحر الأحمر، وحتى خليج العقبة
مثل هذه التقنيات تساعد في اكتشاف الأنشطة غير الطبيعية وتحليلها قبل تحولها إلى
تهديد حقيقي.
كيف أثرت القدرات الأمريكية على التصدي لهجمات الطائرات المسيرة ضد إسرائيل؟
تمتلك الولايات المتحدة أنظمة دفاعية متقدمة،
بما في ذلك تقنيات رصد الهجمات بالطائرات المسيرة، مما يجعل من الصعب استهداف
إسرائيل بفعالية الأنظمة الدفاعية الأمريكية التي تعتمد على الإنذار المبكر ومراقبة
الإشارات الاستخباراتية، والتي تمكنها من تعقب مصدر الهجمات وتحييدها قبل تحقيق
أهدافها، هذا الدعم الجوي والاستخباراتي يعزز أمن إسرائيل في المنطقة بشكل كبير.
إلى أي مدى تشهد المنطقة تحولاً نحو الحروب باستخدام التكنولوجيا بدلاً من الحروب التقليدية؟
هناك تحول واضح الحروب الحديثة
تتجاوز المواجهات التقليدية لتستخدم التكنولوجيا بشكل مكثف، تشمل هذه الحروب
الهجمات السيبرانية، الطائرات المسيرة، واستخدام الأقمار الصناعية لجمع المعلومات،
هذه الأدوات أصبحت حاسمة في النزاعات التي نشهدها اليوم في دول مثل سوريا واليمن،
حيث يُظهر الجانب التكنولوجي تفوقاً حاسماً على القوات التقليدية.
ما الذي يعنيه شعار "القوة
تأتي من العلم وليس من العضلات" في سياق الحروب الحديثة؟
الحروب المعاصرة تعتمد على العلم والتكنولوجيا
أكثر من القوة الجسدية أو العسكرية التقليدية، الولايات المتحدة، على سبيل المثال،
استثمرت في الابتكار التكنولوجي لتطوير أسلحتها وأنظمتها الدفاعية، بينما الدول
الأخرى بحاجة إلى إدراك هذا التحول والتركيز على العلوم والبحث لتعزيز مكانتها
الاستراتيجية.
كيف تستجيب الدول العربية لتحولات الحروب
الحديثة؟
التحولات تختلف من دولة إلى أخرى، بعض الدول
العربية بدأت بتقوية أنظمتها السيبرانية وتطوير قدراتها الدفاعية، بينما لا يزال
بعضها يعاني من الضعف في هذا المجال الحل يكمن في التركيز على التعليم التكنولوجي،
وإدارة الشائعات التي تؤثر على الاستقرار، كما تحتاج هذه الدول إلى تحسين التنسيق
بين القوى المدنية والعسكرية لتأمين الجبهة الداخلية والخارجية.
ما دور الأمن الداخلي في مواجهة التحديات
الإقليمية؟
الأمن الداخلي هو العمود الفقري
لقدرة أي دولة على مجابهة التهديدات الخارجية، فالوقوف في وجه الشائعات والفتن
التي تستهدف تفكيك المجتمعات يضمن الاستقرار الوطني، والشعوب المستقرة والقوية
تمثل السد الأول أمام أي تهديد إقليمي، مما يساعد في تحقيق التوازن وحماية المصالح
القومية.

إرسال تعليق