U3F1ZWV6ZTYxNjM0NzMzMzc5MDRfRnJlZTM4ODg0NTE5NDIxNzE=

التشريعات الحالية لا تكفي لمواجهة جرائم الذكاء الاصطناعي

                  اللواء محمود الرشيدي: جرائم "الدارك ويب" مستنقع خفافيش

تقرير: دعاء راتب



في عصر يشهد تطورًا متسارعًا في شبكات الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، برزت تقنيات حديثة تحمل في طياتها مزايا وفوائد، لكنها في الوقت ذاته تشكل سلاحًا ذا حدين، ومع غياب الوعي الفكري وانتشار تقليد الشعوب الأخرى دون إدراك المخاطر، أصبحت هذه المنصات بيئة خصبة لارتكاب الجرائم بمختلف أشكالها، لقد أتاح الذكاء الاصطناعي إمكانيات متطورة، مثل إنشاء صور مفبركة تحاكي الواقع بدقة عالية، وتزييف الأصوات لاستخدامها في أعمال إجرامية.

الإنترنت يفتح الباب أمام الجرائم الإلكترونية

في هذا السياق، قال اللواء محمود الرشيدي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق لأمن المعلومات، إن الارتفاع الملحوظ في معدلات الجرائم الإلكترونية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي والتطور التكنولوجي المتسارع. فقد ساهمت التقنيات الحديثة في ظهور تطبيقات تسهل تزييف الصور، ونشر الشائعات، وانتحال الشخصيات، مما جعل هذه المنصات تشكل تهديدًا حقيقيًا للمجتمعات الشرقية، خاصة فيما يتعلق بعاداتها وتقاليدها، وأضاف الرشيدي أن التعرض للغزو الفكري وحروب الجيل الرابع فاقم من خطورة هذه الظواهر، ما يستدعي مزيدًا من الوعي والرقابة لمواجهة هذه التحديات.

ونوه الرشيدي على خطورة الجرائم وانتشار الشائعات نتيجة الاتصال بشبكات الإنترنت، حيث يصبح المستخدم عرضة للاختراق الإلكتروني في أي لحظة، لذا، من الضروري أن يدرك المستخدم مخاطر الموافقة على شروط استخدام التطبيقات، خاصة تلك التي تتضمن التوقيع الإلكتروني أو الوصول إلى الصور والمعلومات المخزنة على جهازه.

وأكد أن الاستخدام غير المنضبط للإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي دون توعية قد يؤدي إلى ارتكاب العديد من الجرائم، لذا، من الضروري تعزيز الوعي المعلوماتي لدى طلاب المدارس لحمايتهم من المواقع الإجرامية والابتزاز الإلكتروني، بالإضافة إلى محو الأمية الرقمية من خلال التوعية بالاستخدام الآمن للإنترنت، كما شدد على أهمية تطبيقات الكشف عن الروابط والصور المحملة بالفيروسات التي تُستخدم في التجسس والاختراق، نظرًا لأنها تعتمد على تقنيات وبرامج متطورة يصعب على المستخدم العادي اكتشافها.

الجرائم الإلكترونية تعرقل الاستثمار

وأوضح الرشيدي أنه على الرغم من وجود قانون رقم 175 لسنة 2018 لمعاقبة مرتكبي الجرائم الإلكترونية، إلا أنه من الضروري تعديل النصوص التشريعية لتشمل الجرائم التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يواكب التطورات التكنولوجية السريعة التي تتزايد يوميًا.

كما أشار إلى أن شبكات الإنترنت تُعد جزءًا من ثورة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتي أصبح من الضروري التعامل معها بوعي، نظرًا لاعتماد المجتمعات عليها في تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز الأمن والاستقرار، ومع ذلك، أكد على ضرورة الاستخدام الصحيح لهذه التقنيات، إذ إن الجرائم الإلكترونية قد تؤثر سلبًا على خطط التنمية الاقتصادية، وتعرقل الاستثمار سواء في مصر أو على مستوى العالم.

وأشار إلى أن الجرائم المرتبطة بشبكات "الدارك ويب" تُعد من الجرائم الحديثة التي ظهرت مؤخرًا، حيث تُعرف هذه الشبكات بـ "مستنقع الخفافيش" نظرًا لاحتوائها على مختلف الأنشطة الإجرامية التي ينفذها قراصنة الإنترنت (الهاكرز)، وتشمل هذه الأنشطة تجارة الأعضاء، المخدرات، وبيع الأسلحة، مما يجعلها بيئة خطرة تهدد الأمن والمجتمع.

ضحايا الابتزاز الإلكتروني

ورغم خطورة هذه الشبكات، أكد الرشيدي أن هناك العديد من الآليات الأمنية لمواجهتها، حيث تعمل أجهزة وزارة الداخلية، وعلى رأسها مباحث الإنترنت، بفضل ما تمتلكه من خبرات وتقنيات متطورة، على التصدي لمثل هذه الجرائم ومكافحتها بفعالية.

وشدد الرشيدي على ضرورة امتناع الفتيات عن نشر أو تداول صورهن الشخصية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تفاديًا لعمليات التلاعب والتزييف التي قد تُستخدم للابتزاز والإساءة، وأوضح أن هناك من يستغل هذه الصور بطرق غير مشروعة، مما قد يُعرّض الضحايا لمخاطر الابتزاز الإلكتروني.

وبناءً على ذلك، نصح المواطنين الذين يتعرضون لأي محاولة ابتزاز أو جريمة إلكترونية بسرعة التوجه إلى إدارة مباحث الإنترنت بوزارة الداخلية، والتي توفر رقمًا ساخنًا (108) يمكن الاتصال به على مدار الساعة للحصول على الدعم والمساعدة.

فشل حماية الصوت من التزييف

أوضحت الدكتورة إيمان يسري، خبيرة بصمة الصوت والمتخصصة في علوم الصوتيات الجنائية والتنكر الصوتي، أنه لا توجد وسيلة آمنة تمامًا لحماية بصمات الصوت من التزييف، خاصة مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التي يمكنها محاكاة الأصوات بدقة متزايدة.

وأضافت أن بصمة الصوت أصبحت من الأدوات المهمة في مجالات التحقيق الجنائي، حيث تعتمد على مجموعة من الخصائص الفيزيائية واللغوية التي تميز كل فرد عن الآخر، مثل حجم الحنجرة، طول الأحبال الصوتية، سمكها، حجم الرئة وصحتها، كما أن طريقة الكلام تتأثر بعوامل مثل التربية، الثقافة، التعليم، والمستوى الاجتماعي، مما يجعل لكل شخص بصمة صوتية فريدة.

وأشارت إلى أنه حتى في الحالات التي يبدو فيها صوت شخصين متشابهًا، فإن التحليل الصوتي الدقيق يكشف عن اختلافات جوهرية، حيث لا يمكن تطابق جميع هذه العوامل بين شخصين بشكل تام.

 وأوضحت أن تحديد بصمة الصوت لا يمكن الاعتماد فيه على تسجيل واحد فقط، بل يتطلب وجود تسجيلات متعددة للمقارنة، نظرًا لأن الصوت ليس ثابتًا، بل يتغيرتبعًا للحالة النفسية والانفعالات، فطريقة الكلام مع الأهل تختلف عن أسلوب الحديث مع الأصدقاء أو المدير في العمل، مما يعني أنه لا يمكن الاعتماد على تردد معين للصوت كقيمة ثابتة، وإنما يتم تحليله ضمن نطاق محدد يعكس هوية الشخص.

كما أشارت إلى أن الأمراض والتعب قد تؤثر جزئيًا على الصوت دون أن تغيره بالكامل؛ فمثلًا، الإصابة بنزلة برد قد تؤثر على نطق بعض الأحرف مثل الميم والنون، لكنها لا تلغي بصمة الصوت تمامًا، ولهذا، لا يمكن الاعتماد على تسجيل صوتي لشخص مريض أو متعب في تحليل البصمة الصوتية، لأن هذه التغيرات تُعتبر مؤقتة وعارضة وليست دائمة.

 وأكدت يسري أنه على المستوى التقني، لا توجد حتى الآن برامج قادرة على تحليل الصوت بشكل آلي دون تدخل بشري، فهناك برامج تقيس الخصائص الصوتية، لكنها ليست قادرة على تقديم تحليل نهائي دون إشراف خبير صوتي متخصص يحدد العوامل التي يجب قياسها ويفسر النتائج بناءً على خبرته، وحتى في الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة، لا توجد أنظمة تحليل صوتي تعمل بشكل مستقل دون إشراف بشري؛ بل تخضع للتحليل داخل جهات متخصصة مثل الـ FBI، وفي الشرق الأوسط، يكاد يكون تحليل بصمة الصوت مجالاً غير مطروق؛ حيث لا يوجد سوى عدد محدود من الخبراء المختصين في هذا المجال. 

استخدام بصمة الصوت في القضايا الجنائية

 وأشارت يسري إلى استخدام بصمة الصوت في القضايا الجنائية الكبرى مثل القتل، الاغتصاب، العنف الإلكتروني والابتزاز الرقمي، نظراً لدورها في تحديد هوية الجناة، ومع تطور التكنولوجيا لجأ المجرمون إلى إستغلال التقنيات الرقمية لتزوير الأصوات وبث تسجيلات مزيفة، مما جعل من تحليل الصوت أداة ضرورية في كشف التزييف وحماية الأمن القومي، ومن أبرز القضايا التي أظهرت أهمية تحليل الصوت، كانت حالة تسجيل مزيف تم نشره ادّعى أن رئيس الدولة يتحدث عن بيع أحد المشروعات القومية وهي قناه السويس، لكن التحليل الصوتي كشف أن التسجيل معدّل، وأن الصوت لا يتطابق مع الصوت الحقيقي، مما أبرز خطورة إنتشار الأخبار المفبركة بإستخدام تقنيات تعديل الصوت.

أما عن الضوضاء في تحليلات البصمات تحدثت يسري،  رغم أن الضوضاء في الخلفية قد تبدو عاملاً معيقاً في بعض الحالات، إلا أنها ليست بالضرورة مشكلة، طالما أن الصوت واضح بالشكل الكافي؛ بل على العكس يمكن أحيانًا إستغلال الضوضاء في تحديد موقع الجريمة أو بيئتها من خلال تحليل الأصوات الخلفية، مما يساعد في إعادة بناء مشهد الجريمة أو فهم الملابسات المحيطة بها، ومع ذلك إذا كانت الضوضاء عالية لدرجة طمس الصوت الأساسي، فقد يصعب إجراء تحليل دقيق.

مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي 

 وشددت على أنه لا توجد وسيلة آمنة تماماً لحماية بصمات الصوت من التزييف؛ حيث بات من السهل تزوير الأصوات بإستخدام الذكاء الاصطناعي وهي تقنية تُستخدم على نطاق واسع في تطبيقات الترفيه مثل تيك توك؛ حيث يمكن تغيير الصوت ليبدو وكأنه يعود لشخص آخر، ومع غياب التشريعات الكافية للحد من هذه الظاهرة، أصبحت الأصوات عرضة للإستغلال لذلك من الأفضل تقليل إستخدام التسجيلات الصوتية وعدم إرسال رسائل صوتية لأشخاص غير موثوقين أو فتح تسجيلات صوتية مجهولة المصدر، لأنها قد تحتوي على برامج خبيثة تستهدف سرقة البيانات الصوتية أو إستخدامها في عمليات إحتيالية،  حيث يواجه العالم اليوم تحديًا جديدًا مع إنتشار الذكاء الاصطناعي، الذي يعتمد في جزء كبير منه على الأصوات التي يشاركها المستخدمون عبر الإنترنت، فمع إنتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي القادرة على محاكاة الأصوات، أصبحت البيانات الصوتية في متناول الجهات التي تطور هذه التقنيات، مما يزيد من مخاطر الإستغلال، ومع تزايد الإعتماد على تقنيات الإتصال عبر الإنترنت مثل المكالمات عبر الواي فاي، تزداد فرص تسجيل الأصوات وتجميعها لإستخدامها في المستقبل، هذه التطورات تجعل من الضروري تعزيز الوعي الإلكتروني وإتخاذ الإحتياطات اللازمة لحماية الهوية الصوتية، لأن التكنولوجيا سلاح ذو حدين وإستخدامها بشكل غير مسؤول قد يؤدي إلى مخاطر أمنية غير متوقعة.

وأضافت أن برامج الذكاء الاصطناعي أصبحت متاحة الآن على جميع الهواتف الذكية، حيث بات بإمكانها التحدث مع الأشخاص بصوت بشري، إرسال الصور، والتفاعل كما لو كانت عنصرًا حقيقيً، وأشارت إلى أن هذه التقنيات تعمل على استنساخ بياناتنا الشخصية، بما في ذلك بصمات الصوت، مما يزيد من مخاطر الخصوصية والاختراق.

وأكدت أن المجتمع أصبح محاطًا بهذه التطبيقات الذكية في كل مكان، مما يشكل كارثة حقيقية وخطرًا على حيات، ومع ذلك، فإن قلة الوعي وغيابه جعلا الكثيرين يبتهجون بتطور هذه التقنيات دون إدراك المخاطر التي قد تنجم عنها، حيث يرونها كأدوات مساعدة، بينما قد تكون في الواقع تهديدًا حقيقيًا لحياتهم وأمنهم الشخصي.

وفي الختام يتضح أن الجرائم الإلكترونية تمثل تحديًا متزايدًا في ظل التطور السريع للتكنولوجيا وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ويؤكد الخبراء على أهمية التوعية والرقابة لتعزيز الأمن السيبراني وحماية الأفراد من مخاطر الابتزاز الإلكتروني وانتحال الهوية، كما أن التطورات في الذكاء الاصطناعي زادت من تعقيد هذه الجرائم، مما يستدعي تحديث التشريعات وتعزيز استخدام التقنيات الحديثة لمكافحتها، ومن هنا، يبقى الوعي المعلوماتي والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا ركيزتين أساسيتين في مواجهة هذه التحديات، حفاظًا على الأمن الرقمي والمجتمعي.

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة